تأملات عبثية
29 أكتوبر 2022
نظرية المثل

حاول أفلاطون فهم الواقع وما فيه من تناقضات فطوّر نظرية المثل، حيث قال بوجود عالمين: عالم مكون من الأفكار والمثل وعالم مادي محسوس. سنأخذ هذا الجزء فقط من النظرية دون باقي التفاصيل. عندما نستغرق في التفكير المجرد نقوم برسم صور مثالية لأفكارنا ونعطي الأشياء صفات مطلقة خلافاً للواقع المادي المليء بالعيوب والنواقص والأخطاء. فمثلاً الأعداد والأشكال الهندسية كالدائرة والخط المستقيم والنقطة لا وجود لها في الواقع، وإنما توجد معدودات وأشكال تشبه الدائرة أو الخط المستقيم أو النقطة. ولو دققنا في هذه الأشكال جيداً لوجدناها مليئة بالعيوب التي تخالف الصور المثالية المتخيلة عنها في العالم النظري المجرد. كذلك يؤمن المتدينون بوجود الله بصفاته المطلقة وقدراته الخارقة. وهذه الفكرة موجودة فقط في العالم النظري المجرد. أما على أرض الواقع المادي فإننا نجد نسخاً بشرية من الله (حيث يعتقد المتدينون أن الله خلق الإنسان على صورته). وهذه النسخ البشرية تحمل صفات معيبة وقدرات محدودة خلافاً للمثال الأصلي. على هذا المنوال يمكن أن ننظر إلى المواقف الفلسفية من قضية معينة باعتبارها أفكاراً مجردة موجودة في عالم المثل، ولكنها قد لا تكون قابلة للتطبيق في الواقع المادي.

معنى الحياة من وجهات نظر وجودية

إنشغل كثير من الفلاسفة والمفكرين وحتى عامة الناس (مثل كاتب هذا المقال) بالبحث عن معنى الحياة. فمثلاً سورين كيركغارد قال إن الحياة تبدو بلا معنى، ولهذا نحن بحاجة إلى قفزة إيمانية توفر لنا ذلك المعنى المفقود. أما جون بول سارتر فقد أدرك أن الحياة بلا معنى، ولكنه قال إننا نحن من نصنع المعنى الذي نريده لحياتنا. وكذلك وصف ألبير كامو الحياة بأنها عبثية وخالية من أي معنى، ولكنه دعى إلى التمرد على هذه العبثية من خلال الاستمرار بالحياة. هنا نجد أن هؤلاء الفلاسفة حاولوا التوفيق بين نقيضين: المعنى واللامعنى. ولكن هل نجحوا في تبرير مواقفهم بشكل منطقي متماسك؟ أو لعلهم إكتفوا بنفي المصدر الإلهي للمعنى ولم يصلوا إلى درجة نفي المعنى بشكل مطلق! لقد رفعوا شعارات من قبيل الحرية والعدالة والأصالة والشجاعة والسعادة، فما قيمة هذه الشعارات إذا كانت الحياة كلها بلا معنى؟ أليست هذه الشعارات بذاتها قيماً ومعاني لحياة الإنسان؟ فكيف ينكرون المعنى ببنما هم غارقون في بحر من المعاني؟

العبثية بين النظرية والواقع

لو أدركنا حقاً أن الحياة عبثية، ستسقط كل المبررات لتفضيل خيار على آخر. فلا فرق بين أن نقفز على العقل نحو الإيمان كما فعل كيركغارد، أو أن نخلق معنى من اللامعنى كما قال سارتر، أو أن نتمرد على العبثية بقبولها كما اقترح كامو. ولا فرق بين أسبقية الوجود على الماهية أو العكس. ولا فرق بين أن تكون حياتنا أصيلة أو زائفة. بل لا فرق بين أن نعيش حياتنا بأي شكل من الأشكال أو أن ننهيها فوراً. كل هذه الخيارات والاحتمالات متشابهة في عبثيتها، ولا يهم إن اخترنا أحدها أو لم نختر أياً منها. هذه النظرة العدمية للحياة تنطلق من عالم نظري مجرد خال من العواطف والتحيزات الذاتية والتفاعلات مع الظروف المحيطة. وقد تكون مناسبة للتنظير في الكتب والمقالات والمحاضرات، ولكنها بعيدة عن أرض الواقع. ولو تواضعنا قليلاً ونزلنا من عالم المثل والنظريات إلى عالم الواقع المادي، سنجد أنفسنا مضطرين للتعامل مع الحياة بشكل مختلف. فطبيعتنا الحيوانية الغريزية تفرض علينا أن نعيش ونتكاثر ونسعى إلى تلبية احتياجاتنا البيولوجية والنفسية حتى لو عجزنا عن تبرير هذه الاحتياجات بشكل يرضي غرورنا ورغبتنا في تحليل كل ما نفعله أو نفكر فيه. ورغم إدراكنا زيف القيم والأهداف التي نسعى لتحقيقها إلا إن طبيعتنا الحيوانية تدفعنا بقوة نحو الاستمرار في ذلك المسعى.

لماذا نتفلسف؟

الفلسفة بكل ما فيها من مفاهيم ونظريات ومناهج لا تتعدى كونها وسيلة لتحسين طريقة التفكير الذي هو في الأساس وسيلة لتحسين فرص البقاء والاستمرار في الحياة، أو حتى بعد الموت عند من يؤمن بذلك. نحن في النهاية بشر ولسنا آلهة. ومهما تفلسفنا لن نتحول إلى كائنات منطقية 100%. فتلك الكائنات المثالية لا وجود لها إلا في العالم الأفلاطوني النظري حيث توجد الأعداد والأشكال الهندسية الكاملة والآلهة وغيرها من الأفكار المجردة. حتى الفلاسفة المشهود لهم بالكفاءة قد يرتبكون حين تتعارض طبيعتهم الغريزية المحفزة على البقاء مع تفكيرهم المنطقي الموضوعي الذي يدفعهم باتجاه العدمية، فيتلاعبون بالكلمات والمفاهيم لتبرير انحيازاتهم الذاتية. ولو أخذنا مواقف بعض الفلاسفة والمفكرين من فكرة الانتحار مثلاً سنجدهم رافضين أو على الأقل متحفظين تجاه هذه الفكرة، لماذا؟ ببساطة لأنهم فلسفوا الأمور بطريقة تناسب ميلهم الغريزي نحو التمسك بالحياة وإن بدت أفكارهم تشاؤمية أو عدمية. على سبيل المثال الكاتب الروماني الشهير إميل سيوران المعروف بفكره التشاؤمي رفض الانتحار بحجة أن المتفائلين فقط هم الذين ينتحرون لأنهم فشلوا في الحفاظ على تفاؤلهم. كأنه يقول إن الانتحار شرف لا يستحقه إلا المتشائمون الأصليون الذين يحملون صفة التشاؤم في جيناتهم منذ الولادة. سيوران وغيره من المفكرين والفلاسفة لا يختلفون كثيراً عن باقي البشر الذين لا يجرؤون على تحدي غريزة الحياة.

ما الذي يمنعنا من الانتحار؟

قد يبدو الانتحار خياراً منطقياً للتعامل مع عبثية الحياة. ولكن لماذا نجعل من العبثية مشكلة ثم نبحث لها عن حل؟ ولماذا يكون الانتحار أفضل من الحلول المحتملة الأخرى؟ بل لماذا نحرص على اختيار الحل الأكثر منطقية؟ ما أهمية المنطق في هذه الحالة؟ ما الحكمة في أن ننتصر للمنطق ونخسر الكيان الذي يجسد ذلك المنطق؟ لو أدركنا حقاً عبثية الحياة لن يكون للانتحار أي أفضلية على ما سواه من الخيارات المتشابهة في عبثيتها. المفاضلة بين الخيارات تكون فقط في حالة التخلي عن فكرة العبثية (ولو بشكل جزئي) والنزول إلى أرض الواقع للبحث عن معانٍ تخدم مصلحة الإنسان كفرد أو كعضو في مجموعة بشرية أو حتى على مستوى الكائنات الحية جميعها. من هذا المنطلق فقط يمكن تقبل الانتحار باعتباره حلاً مفضلاً لمشكلة ما كالمرض العضوي أو النفسي أو الفشل الاجتماعي. أما إذا كنت لا تشكو من مشاكل صحية خطيرة ولديك علاقات اجتماعية متوازنة وحالتك المالية مقبولة لن يكون لديك مبرر قوي للانتحار، ولكنه يبقى خياراً محتملاً كخطة بديلة في حالة تغير هذه الظروف. هذا على المستوى الفردي، أما على المستوى الاجتماعي فقد يختلف تقديرك للمصلحة أو الضرر. فمثلاً قد يتسبب موتك بمعاناة كبيرة لأقاربك أو أصدقائك. وفي هذه الحالة يفضّل أن تبتعد عن هؤلاء الأقارب والأصدقاء بالتدريج حتى يعتادوا على غيابك قبل أن ترحل عنهم للأبد. في أغلب الأحوال ستنتظر عدة سنوات وربما عدة عقود حتى يحين الوقت المناسب لموتك، وربما يسبقك الموت فيأتيك قبل أن تطلبه. قد يبدو هذا الكلام مجرد مبررات زائفة تشبه ما قاله الفلاسفة والمفكرون الرافضون لفكرة الانتحار لتبرير مواقفهم المنحازة. ربما، فنحن نميل إلى أن نفلسف حياتنا بدل أن نعيش فلسفتنا. وقد نقع في مغالطات خفية في خضم سعينا الحثيث للتكيف مع الصراع الذي يدور داخلنا بين واقع مادي نعيشه وعالم نظري نتطلع إليه.

الإنسان الإله ضد الإنسان الحيوان

استخدم يوفال نوح هراري مصطلح ”الإنسان الإله“ للتنبؤ بمستقبل الجنس البشري خلال هذا القرن وما بعده. ولكن المصطلح يشير أيضاً إلى رغبة عميقة لدى الإنسان بتقمص صورة الإله، حيث نجد العديد من الأمثلة التاريخية لبشر ادعوا الألوهية أو نُسِبَت إليهم. لذا يمكن استخدام هذا المصطلح لوصف الصورة التي نتخيلها عن أنفسنا عندما نستغرق في التفكير المجرد ونبالغ في تضخيم ما نملكه من قدرات وإمكانيات تقترب من مرتبة الألوهية. وفي المقابل، هناك صورة ”الإنسان الحيوان“ التي يفرضها علينا الواقع، حيث نجد أن قدراتنا وإمكانياتنا محدودة بحدود تكويننا البيولوجي والنفسي الذي لا يختلف كثيراً عن باقي الحيوانات. وبسبب التناقض بين هاتين الصورتين يواجه الإنسان صراعاً داخلياً عندما يتصادم غروره الإلهي مع واقعه الحيواني. هذا الصراع (بين الإنسان الإله والإنسان الحيوان) هو السبب الحقيقي وراء الشعور بالقلق الوجودي، وليس الوعي بالحرية وما يصاحبها من مسؤولية كما قال الفلاسفة الوجوديون. وما مفهوم الإنسان الأعلى الذي دعا إليه فريدريك نيتشه إلا نتيجة لهذا الصراع. لقد تعامل نيتشه مع قلقه الوجودي المتمثل في هذا الصراع الداخلي بالانحياز إلى جانبه الإلهي ذي الإمكانيات الفائقة (حسب تصوره) على حساب جانبه الحيواني المحدود.

المشاهدات
93
الإعجابات
2
التعليقات
1
التعليقات:
هذا التعليق لتجربة خاصية التعليقات ولتوضيح أن البريد الإلكتروني يبقى مخفياً للحفاظ على خصوصية المستخدم.
مستخدم تجريبي
UTC 2025-11-27 09:13:26
أضف تعليقك: